تاريخ العود… سلطان الآلات وأمير المقامات

رحلة عبر أكثر من خمسة آلاف عام من الرنين والألحان، من النقوش الأكادية وبلاط بغداد الأندلسي، وصولاً إلى أيدي عباقرة الفلسفة والتنظير: الفارابي، الكندي، زرياب، وابن سينا.

تطور العود عبر خمسة آلاف عام

كيف تحولت الآلة الوترية البسيطة من بلاد الرافدين إلى الآلة المرجعية الأولى للنظرية الموسيقية في العالم

الجذور الأكادية والسومرية (2350 ق.م)

أقدم أثر تاريخي موثق للعود تم اكتشافه على أختام أسطوانية تعود للعصر الأكادي في العراق القديم. كان العود آنذاك بخصر نحيف وزند طويل ووجه من الجلد، وكان يُعرف باسم “تيبي”، حيث استُخدم في الطقوس الدينية والاحتفالات الملكية البابلية والآشورية.

الجزيرة العربية واستبدال الجلد بالخشب (القرن السادس الميلادي)

كان العرب قبل هذه الفترة يستخدمون “المزهر” المغطى بالجلد، حتى أدخل النضر بن الحارث العود الخشبي المكتمل من الحيرة إلى الحجاز. ومن هنا أُطلق عليه اسم “العود” لكون وجهه وصندوقه مصنوعين من خشب رقيق معتّق بدلاً من جلود الحيوانات.

العصر العباسي الذهبي في بغداد (القرن 8 - 10 م)

شهد العود ثورته الفكرية والعلمية على أيدي الكندي وإسحاق الموصلي والفارابي. أضحى العود الميزان الرياضي لتوليد الأبعاد النغمية وتوثيق مقامات الموسيقى العربية، وتم تحديد قياساته الهندسية الذهبية في “بيت الحكمة”.

الأندلس وزرياب… وانتقال العود لأوروبا (822 م)

أحدث زرياب ثورة بصناعة العود في قرطبة بإضافة الوتر الخامس واستخدام قادمة النسر كريشة. عبر إسبانيا وصقلية، دخل العود قصور ملوك أوروبا وتطور اسمه من (Al-Oud) إلى اللوت (Lute)، ليكون أساس عصر النهضة الموسيقية الأوروبية.

عصر النهضة والقرن العشرين حتى اليوم

تحول العود من آلة مصاحبة للغناء إلى آلة صولو عالمية يقودها رواد المدرسة المنفردة، وظهرت المدارس الأكاديمية الحديثة (مثل أكاديمية العود في الدوحة) لحفظ التراث وتدريسه بأعلى المناهج العلمية المعاصرة.

رواد علم الموسيقى في الحضارة العربية

العلماء الذين جعلوا من العود مختبراً فيزيائياً وفلسفياً لدراسة النغم والنسب الرياضية

أبو نصر الفارابي

يُعد الفارابي أعظم فيلسوف ومُنظّر موسيقي في العصر الوسيط. قام في كتابه الخالد “كتاب الموسيقى الكبير” بتحليل آلة العود رياضياً، ووضع خريطة دقيقة لتوزيع الدساتين (Frets) على الزند لاستخراج النغمات والأنصاف والأرباع الصوتية، واخترع آلات وترية مثل “القانون”.

أبرز الإسهامات للعود:

  • حساب الأبعاد الموسيقية بدقة السنت والميكروتون.
  • توثيق دساتين “وسطى الفرس” و”وسطى زلزل”.
  • صياغة أول أطلس للآلات الوترية الشرقية.
أول من استعمل كلمة “موسيقى” باللغة العربية، وكتب أكثر من 15 رسالة في النغم وصناعة الآلات. ربط بين الأوتار الأربعة للعود (الزير، المثنى، المثلث، والبم) وطبائع الإنسان الأربعة، والفصول السنوية، والبروج السماوية، وكان أول من اقترح نغمياً إضافة وتر خامس لسلامة الدوزان.
أبرز الإسهامات للعود:
  • أول تنظير للوتر الخامس (قبل تطبيقه العملي بالأندلس).
  • رسالة “في معرفة اللحون والوترية وتأثير النغم النفسي”.
  • تحديد سماكة وأثقال الأوتار المصنوعة من الحرير والأمعاء.

زرياب (علي بن نافع)

تلميذ إسحاق الموصلي العبقري الذي سافر إلى الأندلس ليؤسس مدرسة الموسيقى في قرطبة. ابتكر ريشة العود المصنوعة من قادمة النسر بدلاً من الخشب لمنح الصوت رنيناً ناعماً، وأضاف الوتر الخامس الأحمر الذي وضعه في المنتصف معبراً عن النفس والروح.

أبرز الإسهامات للعود:

  • إضافة الوتر الخامس الأحمر (رمز الدم والحياة).
  • استبدال ريشة الخشب بقوادم النسر لتحسين الرنين.
  • تخفيف وزن صندوق العود وصناعته من خشب أرق وأصفى.

ابن سينا (أبو علي الحسين)

لم يقتصر إبداع ابن سينا على الطب والفلسفة، بل خصص في موسوعته الكبرى “كتاب الشفاء” فصلاً كاملاً لعلم الموسيقى والرياضيات. شرح بالتفصيل فيزياء اهتزاز أوتار العود، والأسباب الصوتية لتنافر النغمات وتوافقها، وطريقة العلاج النفسي بالأنغام.

أبرز الإسهامات للعود:

  • التحليل الفيزيائي لسرعة تردد الوتر وسمكه وطوله.
  • تأسيس نظرية العلاج بالموسيقى ومقامات العود للمرضى.
  • شرح قواعد الانتقال اللحني والانسجام النغمي.

التأثير العالمي للعود العربي

كيف أهدت الحضارة العربية آلة العود إلى العالم؟

لم يكن العود مجرد آلة موسيقية في بغداد وقرطبة ودمشق، بل كان أداة لقياس حركة الفلك ونبضات القلب وفلسفة النفس. حين دخل العود إلى أوروبا عبر إسبانيا (الأندلس) وصقلية والحروب الصليبية، أخذ الأوروبيون الكلمة العربية “العود” مع أداة التعريف (Al-Oud) وتحولت في الإسبانية إلى (Laúd)، وفي الإيطالية إلى (Liuto)، وفي الفرنسية إلى (Luth)، وفي الإنجليزية إلى (Lute).

من كلمة “اللوت” اشتق الأوروبيون اسم مهنة صانع الآلات الوترية حتى اليوم: (Luthier)، وهو الصانع الذي يمارس فن صناعة العود والكمان والجيتار، مما يجعل العود العربي هو الجد المباشر لجميع الآلات الوترية الحديثة.

Luthier

الصانع المحترف

Laúd / Liuto

الأندلس وإيطاليا

Al-Oud

الأصل العربي

أشهر صناع العود (المدارس الحرفية)

الأنامل الذهبية التي وضعت مقاييس الجمال الصوتي وسر تجويف القصعة من بغداد ودمشق والقاهرة والدوحة

محمد فاضل والسحباني

أشهر بيوت صناعة العود في بغداد؛ ابتكار الفرسة المتحركة (Floating Bridge)، والصوت ذو القرار العميق والجواب البراق المناسب للتقاسيم الحرة.

عائلة النحّات الشامية

أسرة دمشقية عريقة (عبده وإخوته النحات) اشتهرت بالزخارف العاجية الفائقة، وصوت العود الرخيم ذو الطابع الطربي الكلاسيكي المفضل للغناء.

خليل إبراهيم وموريس

رواد صناعة الأعواد الطربية لكبار الملحنين (فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب والسنباطي). تميزت بصندوق رنان واسع وصوت جهوري دافئ.

الصناعة القطرية التراثية

دمج دقة الهندسة المعاصرة وأخشاب معتّقة خصيصاً لمقاومة رطوبة الخليج، مع طابع صوتي لامع يناسب فنون الصوت والخماري الخليجي.

أشهر عازفي العود في القرن العشرين والمعاصر

أشهر عازفي العود في القرن العشرين والمعاصر

منير بشير (1930 - 1997)

أمير التقاسيم ومجدد العود العراقي

نقل العود إلى أشهر قاعات الكونسير في باريس ولندن وطوكيو. اشتهر بالتقاسيم التأملية الصوفية، واستعمال تقنية الرش المتقطع واللمس الخفيف للأوتار.

رياض السنباطي (1906 - 1981)

عملاق الطرب وريشة الشرق الأصيلة

حاصل على جائزة اليونسكو الدولية في الموسيقى. تميزت ريشته بالفخامة والهيبة النغمية، وصاغ على أوتار عوده أروع قصائد كوكب الشرق أم كلثوم (الأطلال، نهج البردة).

فريد الأطرش (1917 - 1974)

ملك العود وسيد الارتجال السريع

لُقّب بـ “ملك العود” لسرعة ريشته المذهلة وقدرته الفائقة على ترويض التقاسيم الصعبة مع الحفاظ على عاطفة شجية تأسر القلوب في الحفلات المباشرة.

محمد القصبجي (1892 - 1966)

معماري التوافق والهارموني الشرقي

المجدد الأول في تكنيك مسك الريشة والانتقال بين الأصابع. أدخل أساليب البوليفوني والتوافقات المتعددة على العود ودرّب أجيالاً من كبار الملحنين.

جميل بشير (1920 - 1977)

واضع المنهج الأكاديمي للعود العراقي

مؤلف كتاب “العود وطريقة تدريسه” المعتمد في أهم معاهد الموسيقى العربية. جمع بين الدقة الأكاديمية الصارمة والرشاقة النغمية الفريدة.

نصير شمة والمدرسة المعاصرة

إحياء عود الفارابي بثمانية أوتار

سفير السلام واليونسكو، أعاد تصنيع عود الفارابي ذي الأوتار الثمانية، وطور تكنيك العزف بيد واحدة لذوي الاحتياجات، ومؤسس بيوت العود في العواصم العربية.